ابن قتيبة الدينوري

232

تأويل مشكل القرآن

وما الأمر الذي ألام فيه فنعاه اللّه عليه إذ يقول : فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 142 ) [ الصافات : 142 ] والمليم : الذي أجرم جرما استوجب به اللوم . ولم أخرجه من أولي العزم من الرّسل ، حين يقول لنبيه ، صلّى اللّه عليه وسلم : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ( 48 ) [ القلم : 48 ] . وإن كان الغضب عليهم بعد أن آمنوا ، فهذا أغلظ مما أنكروا ، وأفحش مما استقبحوا ، كيف يجوز أن يغضب على قومه حين آمنوا ، ولذلك انتخب وبه بعث ، وإليه دعا ؟ ! . وما الفرق بين عدو اللّه ووليّه إن كان وليّه يغضب من إيمان مائة ألف أو يزيدون ؟ . والقول في هذا أنّ المغاضبة : المفاعلة من الغضب ، والمفاعلة تكون من اثنين ، تقول : غاضبت فلانا مغاضبة وتغاضبنا : إذا غضب كلّ واحد منكما على صاحبه ، كما تقول : ضاربته مضاربة ، وقاتلته مقاتلة ، وتضاربنا وتقاتلنا . وقد تكون المفاعلة من واحد ، فنقول : غاضبت من كذا : أي غضبت ، كما تقول : سافرت وناولت ، وعاطيت الرّجل ، وشارفت الموضع ، وجاوزت ، وضاعفت ، وظاهرت ، وعاقبت . ومعنى المغاضبة هاهنا : الأنفة ، لأن الأنف من الشيء يغضب ، فتسمّى الأنفة غضبا ، والغضب أنفة ، إذا كان كل واحد بسبب من الآخر ، تقول : غضبت لك من كذا ، وأنت تريد أنفت ، قال الشاعر « 1 » : غضبت لكم أن تساموا اللّفاء * بشجناء من رحم توصل يروى مرة : ( أنفت لكم ) ، ومرة : ( غضبت لكم ) ، لأنّ المعنيين متقاربان . وكذلك ( العبد ) أصله : الغضب . ثم قد تسمّى الأنفة عبدا . وقال الشاعر « 2 » : وأعبد أن تهجى تميم بدارم

--> ( 1 ) البيت من المتقارب ، وهو لخداش بن زهير في المعاني الكبير 1 / 528 . ( 2 ) صدر البيت : أولئك قومي إن هجوني هجوتهم وتقدم البيت مع تخريجه قبل قليل .